طريق المقابر.. اللي يعدي مايرجعش

كانت الساعة تقترب من منتصف الليل، والهدوء المريب بيسيطر على المكان، مفيش غير صوت الريح وهي بتصفّر وسط الشجر المتيبس، وطقطقة أوراقه اللي بتتهز مع كل هبة. سامح كان راكب موتوسيكل قديم، وماشي لوحده على الطريق الزراعي اللي بيعدي جنب المقابر. الطريق ده معروف وسط أهل البلد باسم "طريق المقابر.. اللي يعدي مايرجعش". كل اللي سمعه سامح عن المكان ده كان مجرد حكايات عجايز، ناس بتقول إنه مسكون، وناس بتحلف إنها شافت كائنات غريبة بتتحرك بين القبور. بس سامح؟ كان دايمًا بيضحك على الكلام ده، وبيقول: "دي خرافات، مفيش حاجة اسمها عفاريت!" وهو ماشي، نور الموتوسيكل بدأ يتهز شوية مع المطبات، وكان كل ما يقرب من المقابر، الجو بيبقى أبرد، كأن حد بينفخ ف وشه نفس جليدي. فجأة، سمع صوت ضحكة خافتة… مش عارف جاية منين، بس كان فيها نبرة غريبة، ضحكة مخنوقة كأنها جاية من جوف الأرض. لف بسرعة عشان يشوف ورا، مفيش حاجة! الطريق فاضي، والمقابر ساكنة زي العادة. شد نفس عميق، وقال لنفسه: "تهيؤات، العقل بيلعب لعبه لما الواحد يكون لوحده في الضلمة." لكن قبل ما يكمل طريقه، النور قطع فجأة، وبقى في ظلام دامس. الموتوسيكل وقف لوحده، كأن البنزين خلص، رغم إنه كان لسه حاطط بنزين من شوية. سامح بدأ يدور في جيوبه على الكشاف، لكن إيده لمست حاجة باردة… مش تليفونه، مش الكشاف… حاجة زي إيد آدمية! شهق بعنف وسحب إيده بسرعة، قلبه دق بسرعة كأنه هيخرج من صدره، وعرقه بقى بارد. سمع نفس الضحكة تاني، بس المرة دي أقرب، جنب ودنه مباشرة! لف برعب، ولقى وراه واحد لابس جلابية سودة، وشه مش باين، بس كانت ملامحه مموهة زي السراب. الصوت خرج من الكائن ده بنبرة متكسرة: "ليه دخلت طريقي؟ اللي بيعدي.. مايرجعش!" سامح حاول يصرخ، بس صوته مات في حلقه. حس بحاجة تقيلة بتشد رجله، بَص لتحت… كانت يد عظيمة طالعة من الأرض، ممسوكة في رجله بقوة! بدأ يصرخ ويحاول يفلت، بس الأرض بدأت تسحبه، كأنها بتبلعه! التراب كان بيتحرك لوحده، يطوقه كأنه قبر بيتقفل عليه حي! في اليوم التاني، الناس لقوا الموتوسيكل بتاع سامح مرمي جنب المقابر، بس مفيش أي أثر ليه! أهل البلد قالوا إنه ضاع زي غيره، بقى واحد من المفقودين اللي اختفوا على الطريق ده، واللي محدش لقاهم أبدًا. ومن ساعتها، أي حد بيعدي من هناك، بيسمع نفس الضحكة الخافتة… واللي يقرب، ممكن يسمع صوت سامح بيصرخ، بيطلب النجدة، من تحت الأرض. لكن زي ما بيقولوا… "اللي يعدي، مايرجعش!"